السيد محمدحسين الطباطبائي
46
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
فحقّ عبادته سبحانه - وهي إظهار العبوديّة وحكاية ما عليه العبد من مولاه - أن يكون عن حضور مطلق بإمحاء كلّ ما يوجب بحضوره غيبة المعبود والانصراف عنه إلى غيره وترك الاشتغال بما هو مربوب مملوك له وهو الشرك ، قال سبحانه : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، « 1 » فالاشتغال بغيره سبحانه - إمّا بعبادة ذلك الغير ، أو في ضمن العبادة له سبحانه - إعطاء ربوبيّة لغير اللّه سبحانه ، وإنّما الفرق أنّ العبادة لغيره سبحانه ترك له وأخذ لغيره والاشتغال بغيره أو طلبه من العبادة ، كطلب الوصول إلى ثواب أو النجاة من عذاب توسيط له سبحانه بينه وبين المطلوب والواسطة غير مقصودة بالذات إلّا من أجل ذي الواسطة ، فهو المقصود المعبود بالحقيقة والمآل ، كما يشير إليه في رواية تحف العقول السابقة : « ومن زعم أنّه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغّر بالكبير » « 2 » الحديث ، فالعابد له لأنّه ينعم بالجنّة أو ينجي من النار يصغّر الكبير ، قال سبحانه : فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ، « 3 » وقال : أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ ، « 4 » وقال : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . « 5 » وفي الكافي : عن الصادق - عليه السلام - قال : « العبادة ثلاثة : قوم عبدوا اللّه خوفا ، فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا اللّه تبارك وتعالى طلب الثواب ، فتلك عبادة الاجراء ، وقوم عبدوا اللّه عزّ وجلّ حبّا له ، فتلك عبادة الأحرار ، وهي
--> ( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 164 . ( 2 ) . تحف العقول : 326 ؛ نقلت رواية قبل أسطر . ( 3 ) . الزمر ( 39 ) : 2 . ( 4 ) . الزمر ( 39 ) : 3 . ( 5 ) . الزمر ( 39 ) : 3 .